الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
384
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
فيرى السفن في دجلة - فكلّم ابن أبي دؤاد المعتصم في الناس وقال له : رعيتك في بلد آبائك ودار ملكهم نزل بهم هذا الأمر فاعطف عليهم بشيء يفرّق فيهم يمسك أرماقهم ويبنون به ما انهدم عليهم ويصلحون به أحوالهم . فلم يزل ينازله حتى أطلق لهم خمسة آلاف ألف درهم . فقال له : إن فرقها عليهم غيري خفت ألا يقسم بينهم بالسوية فائذن لي في تولي أمرها ليكون الأجر أوفر والثناء أكثر . قال : ذلك إليك . فقسّمها على مقادير الناس وما ذهب منهم بنهاية ما يقدر عليه من الاحتياط واحتاج إلى زيادة ، فازدادها من المعتصم وغرم من ماله في ذلك غرما كثيرا . فكانت هذه من فضائله التي لم يكن لأحد مثلها . فلعهدي بالكرخ لو إنّ إنسانا قال « زر ابن أبي دؤاد وسخ » لقتل . فيه أيضا : اعتلّ ابن أبي دؤاد فعاده المعتصم وقال له : إنّي نذرت إن عافاك اللّه أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار . فقال له : اجعلها لأهل الحرمين فقد لقوا من غلاء الأسعار عنفا . فقال : نويت أن أتصدّق بها ههنا وأنا اطلق لأهل الحرمين مثلها . فقيل للمعتصم في ذلك - لأنهّ عاده وليس يعود إخوته وأجلّاء أهله - فقال : وكيف لا أعود رجلا ما وقعت عيني عليه قط إلّا ساق إليّ أجرا أو أحب لي شكرا أو أفادني فائدة تنفعني في دنياي وديني ، وما سألني حاجة لنفسه قط ( 1 ) . وبالعكس من أساء معاشرة الناس يجتنبه الناس في حياته ويشمتون بموته بعد وفاته ، قالوا : لما مات أبو عبيدة معمّر بن المثنى - مع كثرة تاليفه في الفنون المختلفة حتى قيل فيه إنّ علم الجاهلية والاسلام كان عنده - لم يحضر جنازته أحد لأنهّ لا يسلم منه شريف ولا غيره . وفي ( تاريخ بغداد ) : ولّي معاذ بن معاذ - وكان له منزلة من الرشيد -
--> ( 1 ) تاريخ بغداد 4 : 149 .